الفضول يعم، والأسئلة تتكاثر، مقالنا السابق عن الاغتراب النفسي لم ينتهِ، وإنما الآن ابتدأ بمراحل التعافي فهيا بنا نستكمل مقالنا.
قبل أن نغوص في مقالنا لعلنا نستكمل قصة حسن التي بدأت باغتراب نفسي، ولا نعرف كيف انتهت قصته.
معاناة حسن لم تنتهِ بين ليلة وضحاها، بل استمرت طويلًا، وعانى فيها الكثير، من فقدان الوزن إلى الآخرين إلى إحساسه بالوحدة الذي ازداد كثيرًا.
كانت أمه تدخل غرفته كل يوم تخبره بأن يفتح الستائر، ويرتب الملابس المكومة، لكنه لا يستمع؛ لأنه عالق بين الحقيقة الصادمة وداخله الذي هرب إليه، إضافةً إلى أن غرفته امتلأت بالكتب والمقالات، التي كانت أمه تتركها يوميًا في غرفته على أمل أن يقرأها ليتعرف على حالته، وأن يبدأ بالمحاولة.
مصادفة في أحد أيام دخول أمه بضيق إلى الغرفة وحتى إنها لم تنبس ببنت شفة بل وضعت مقالة أمامه وخرجت وقد شاء القدر أن يمد حسن يده إليها فقرأ ما كتب في مقدمتها، وكان الآتي:
يا من تقرأ كلماتي يبدو أنك حي الجسد لكنك ميت الروح، فلجأت للحبر الذي سُطِّر على الورق برسمات احترافية، هل حقًا تريد أن تتقبل ذاتك؟ أن تبني علاقة صحية مع المجتمع؟ أن تعيش رغم الاختلاف دون أن تفقد نفسك؟
هذه ليست أسئلة بل مراحل مهمة جدا لأن تصبح من أنت، وهي مراحل العلاج للاغتراب النفسي، فهيا ابتعد عن السطح وغص معي في الأعماق.
يا عزيزي القارئ، المحاولة في هذه الحلول تعتمد على قبولك للواقع الذي تعيشه، وأن تحاول بحثًا لاكتشاف نفسك. حسنًا كيف يمكنك أن تكتشف ذاتك؟
أما الآن لنترك قصة حسن قليلاً، ولننتقل إلى معرفة ما قرأه بالمقال:
خوضك لهذه التجربة يبدأ، بتدوين يومياتك مثل، كتابة أفكارك ومشاعرك يوميًا دون قيود لتحديد أنماطك السلوكية.
حيث أن دراسة الدكتور جيمس بينبكير أثبتت فعالية هذه الخطوة، إذ أن الكتابة عن المشاعر والأفكار العميقة دون قيود لمدة خمسة عشر دقيقة إلى عشرين دقيقة يوميًا، تساعد على تنظيم الأحداث في الذهن، وتحريرًا للدماغ من التجارب المرهقة.
والمفاجأة أن الأبحاث المنشورة في منظمة علم النفس الأمريكية (APA)، أظهرت أن عادة تدوين اليوميات لم تحسن الحالة النفسية فحسب، بل قادت إلى تحسين، وظائف الجهاز المناعي، وانخفاض ضغط الدم، وتقليل زيارات الأطباء بنسبة تصل إلى خمسين بالمائة.
التدوين لوحده ليس حلًا كافيا، بل يحتاج إلى تحديد قيمك العليا، اسأل نفسك ما الذي يهمك حقًا في الحياة، وابدأ بتذكير نفسك بالأولويات كلها دومًا، مثل العائلة، أو الإبداع، أو الصدق. خاصة عند مواجهة الضغط، قد تعمل هذه القيم كدرع نفسي.
مارس التأمل واليقظة الذهنية، ركز على حاضرك، وتنفس بعمق لربط عقلك بجسدك، حيث أن هذه الأفعال تساعدك على تحسين الوعي الداخلي.
تشير الأبحاث المنشورة على منصات عالمية مشهورة مثل (PubMed) إلى أن التنفس العميق، والتركيز على الحاضر ينشط "الفص الجزيري" (Insula) في الدماغ.
هذا الفص هو المسؤول عن قراءة إشارات الجسد (مثل نبضات القلب، والتنفس) وإعادة تنشيطه يساعد على إنهاء حالة الاغتراب النفسي التي تجعل الشخص، وكأنه مراقب خارجي لجسده.
أما الذي سأقوله الآن لا بد أن يكون غريبًا بالنسبة لك، ومن الممكن أن لا تصدقني، لكن إن وحدتك الحالية هي جزء من الحل لوضعك الحالي يا عزيزي، إن قضائك وقتًا بمفردك بطريقة سليمة، قد يعطيك وقتا للتفكير بنفسك، والابتعاد عن ضغوطات الحياة والآخرين.
حاول استغلال وحدتك الحالية في أن تفكر بكل ما حدث معك، وأن تبحث عن حل لكل مشكلة، أو جواب لكل سؤال يخطر على بالك.
ما كتب بالفقرات السابقة، كان تمهيدًا لبداية العلاج الذي يبتدئ بتقبل الذات.
يا عزيزي، الاعتراف بمشاعر الانفصال أو الضياع عن الواقع دون جلد الذات هو ما يعنيه تقبل الذات واستوعب أن شعورك بالانفصال أو الفراغ هو ردة فعل لحالة تمر بها وليس عيبًا بشخصيتك، وحتى تبدأ بمراحل الاعتراف الحق الخطوات الآتية:
1. الاعتراف بالمشاعر وتسميتها
لا ترفض شعورك بالاغتراب ولا تعتبره ضعفًا، بل واجه الواقع: عندما تشعر بالانفصال، قل لنفسك: "أنا أشعر بالانفصال الآن وهذا طبيعي، لكنه مجرد شعور عابر سيمضي".
اجعل للكتابة اليومية دورا في حياتك لتفريغ شحنات التوتر والابتعاد عن الأفكار الهدامة التي تزيد من حدة الاغتراب.
2. ممارسة التأريض (Grounding)
الاغتراب يترك العقل تائها في دوامة التشتت والانفصال عن الواقع. وهنا يأتي دور تمارين التأريض التي تساعدك على استعادة حضورك الذهني والجسدي:
تقنية 5-4-3-2-1: سمِّ 5 أشياء يمكنك رؤيتها، 4 يمكنك لمسها، 3 يمكنك سماعها، 2 يمكنك شمها، و1 يمكنك تذوقها.
قم بالتركيز على اللحظة الحالية عن طريق التنفس العميق ببطء.
3. بناء التعاطف مع الذات
تعامل مع ذاتك كأنها صديق لك يمر بأزمة وتريد أن تساعده.
أوقف النقد الذاتي: توقف عن لوم ذاتك لعدم قدرتك على الشعور بالأشياء كما ينبغي.
القبول غير المشروط: تقبل حالتك الراهنة بكل ما فيها من نقاط ضعف أو عجز مؤقت، واعلم أن التخطي يتطلب وقتاً وصبراً.
4. القيام بأفعال بسيطة وملموسة
الحركة من أفضل الطرق لتقليل الاغتراب النفسي وكسر دائرة التفكير المفرط من الممكن أن يفيدك كثيرًا.
قم بتحديد مهام صغيرة يومية مثل ترتيب غرفتك وأن تدون يومياتك أو أي عمل بسيط يعيدك للعالم المادي. ممارسة الرياضة، الاستحمام بالماء البارد، أو المشي في الطبيعة يوقظ الحواس ويخفف من حدة الانفصال النفسي.
لعلك يا صديقي المهتم بدأت تفكر باتخاذ الخطوة الأولى ولعلها روحك ابتدأت بالعودة إلى مكانها لكنك تريد دافع آخر فهيا بنا ندخل إليه بجواب على السؤالين التاليين معًا.
كيف تبني علاقة صحية مع المجتمع؟ وأن تعيش رغم الاختلاف دون أن تفقد نفسك؟
يجب أن تفهم أن العلاقة الصحية تتطلب منك أن تكون حريصًا على فهم ذاتك، وتقبلها، كما شرحنا في الفقرات السابقة.
بعد أن تتقبل ذاتك وتفهمها، يأتي دور بناء علاقة صحية مع المجتمع، فهي من أهم مؤشرات الرضا عن الحياة؛ لأن هذه العلاقة تساعد على الحد من الاكتئاب، عن طريق توفير شبكة دعم قوية، ومكانا آمنا لمشاركة المخاوف.
بناء العلاقة الصحية مع المجتمع يفتح بابًا للمعرفة، لأن العلاقات توفر فرصا لتبادل المعلومات، ووجهات النظر المختلفة، كما أنها تضيف دعما مهنيا لحياة العمل، أو السعي.
أيضا وجود الأصدقاء والعائلة له دور في تقديم منظور مختلف، وتهدئة في أوقات الشدة يمكننا القول إن العلاقة الصحية مع المجتمع تزيد من احترام الذات؛ لأن العلاقات الإيجابية تعزز من شعورنا بقيمة أنفسنا؛ لأننا نشعر بأننا محبوبون ومقبولون.
أما الآن فهيا بنا ندخل إلى الخطوات.
للحصول على علاقة صحية مع الآخرين ابدأ بفعل بسيط له أثر عظيم، وهو الاستماع.
يشير ديل كارنيغي في كتاب كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر على الآخرين، إلى أن الاستماع من أهم مفاتيح كسب القلوب وبناء العلاقات القوية.
يساعد الاستماع على كسب الحب والاحترام، فالأشخاص الذين يستمعون أكثر مما يتحدثون يكونون عادة أكثر جاذبية ومحبوبين لدى المحيطين بهم، فالاستماع يعني أن تركز جيدًا على ما يقوله الآخرون، وطرح أسئلة متتابعة مع تجنب المقاطعة، أو التفكير في ردك وأنت تستمع.
أن تعبر عن ذاتك بوضوحٍ وحزمٍ مهارة مهمة؛ لأنها تسمح للآخرين بمعرفة من أنت، ماذا تريد، وحدودك، فهذا يبني علاقة صحية صادقة.
التزم بالتعبير عن آرائك ومشاعرك باحترام دون عدوانية، أو سلبية، واستخدم كلمة أنا، فمثلا (أنا أشعر…..) بدلا من (أنت تفعل….).
عندما تمر بكل ما سبق سوف تصل إلى نقطة تجعلك تسأل كيف أعيش رغم الاختلاف دون أن أفقد نفسي؟
ليس مطلوب منك أن تصبح نسخة عن المجتمع، ولا أن تنعزل عنه كليا، بل المطلوب منك أن توازن بين هويتك والاندماج بالمجتمع، فعليك أن تبدأ بتقبل الاختلاف، وأن تدرك أنه أمر طبيعي، وليس كل اختلاف مشكلة يجب إصلاحها بل أحيانا يكون الاختلاف مصدر تميز الإنسان، فتعامل مع اختلافك على أنه ما يميزك في هذا المجتمع.
لا يجب أن تعيش في بيئة لا تريدها، فإن استطعت قم بتغييرها، وإن لم تستطع، فلا تجعل اختلافها سببا لتتخلى عن ذاتك، ولا تحاول إرضاء الجميع دائما، فأنت غير مسؤول عن آرائهم ورضاهم عنك، أنت عليك العمل بالحسنة وأما الباقي يقع على عاتقهم.
أما هنا تأتي فكرة عميقة تحتاج لفهم واضح، فالتكن لينًا يسيرًا في التعامل مع الآخرين، اجعل أسلوبك مرنًا مريحًا لمن يتعامل معك، لكن كن ثابتا ف مبادئك كلنا نمتلك مبادئ، وهي تختلف من شخص لآخر، فلا تفكر يوميا في تجاوزها لأي شخص كان؛ لأن مبادئك هي من تحدد قيمك وحدودك الشخصية.
أما رابعا وآخيرا شارك المجتمع بما أنت عليه، لا تحتاج لأن تتصنع أو تقتبس أدوارا ليست لك، كن أنت واجعل المجتمع يعترف بك كما أنت.
نهايةً يا عزيزي، العيش رغم الاختلاف، لا يعني أن تتخلى عن ذاتك لتقبل، ولا أن ترفض الناس لتحافظ على نفسك، بل عليك أن تعرف متى تتنازل في أسلوبك، ومتى تتمسك بمبادئك.
بعد هذه النهاية وضع حسن المقالة على الطاولة، وتحرك عن سريره متجها للنافذة ففتح الستارة حتى تلامس أشعة الشمس الدافئة بشرته لأول مرة منذ دخول الاغتراب النفسي إلى حياته.
قصة حسن والمقال، أتمنى أنها كانت مفيدةً لكم حقًا، فأنا حاولت أن أضع خلاصة ما قد يساعد على التعافي من الاغتراب النفسي في مقالي. أما قبل أن أختم، أحب أن أشارككم رأيًا عن الاغتراب النفسي، فمن الممكن أن يحتمل الخطأ، ومن الممكن أن يكون صحيحًا.
أرى أن احتمالية إصابتنا بالاغتراب النفسي كبير، خاصة في وطننا العربي، فعائلتنا تريد منا أن نصبح ما يريدونه، ونحن نريد ما نريده، والمجتمع يريد ما يريده.
فإن كنت تبحث عن رضا أهلك بكل ما تملك، وألا تترك مساحة لشخصيتك، من الممكن أن تزيد احتمالية اصابتك بالاغتراب النفسي والاكتئاب، لكن ذلك ليس حتميًا. أنا لا أطلب منك أن تعصيهم، ولا أخبرك بأن طاعتهم سبب إصابتك، بل أنصحك أن تريهم وجهة نظرك في الحياة، وعليك أن تصل إلى حل يرضيك ويرضيهم.
أما إن جعلت رضا المجتمع في المقدمة، فأنا لا أجزم حقًا أنك ستصاب بالاغتراب النفسي، لكنك ستصبح عرضةً للاكتئاب، واحتمالية اغترابك النفسي كبيرة.
بعد كلامي هذا، يبدو أنك ضائع بين رضا أهلك، ومعايير المجتمع، ونفسك، فهنا أعطيك الحل الذي لا أعدّه مطلقًا. ابدأ حياتك بأولويات، ففي بناء شخصيتك، ذاتك هي الأولى، ثم رأي والديك بطريقة عيشك أو محاولاتك، فليكن إضافةً ونصيحةً لتحسين حياتك، أما المجتمع فلا يتوجب عليك أن تكون من القطيع، وأن تلتحق به، بل أحيانًا عليك أن تقاومه ضمن حدودك، وأن تضع ركائزك.
أما هنا أنا أضع آخر حروفي في هذا المقال، أتمنى أن يكون مكانا كافيًا ووافيًا للمعلومات القيمة، شكرا لك أيها القارئ، أنا ممنون حقا لوصولك هذه اللحظة.
كيف يمكن أن تحمي نفسك من الاغتراب النفسي برأيك؟
(رامي / على هامش الفكرة)
____________________
المقال السابق: الاغتراب النفسي.
