في يوم من الأيام سمعت بمصطلح البارانويا، الذي جعلني أتساءل ما هو هذا الشيء الغامض؟ الذي بدأ في ظاهره بسيط، ولكن عندما بحثت عنه اكتشفت ما يلي :
قبل أن نغوص في بحر هذا الجنون، لنستعرض معا قصة واقعية قصيرة توضح لنا طبيعة البارانويا.
البارانويا: جنون الارتياب.
جون ناش هو واحد من أعظم علماء الرياضيات في القرن العشرين عرف بالعبقرية، فكان منذ طفولته يتميز بقراءة الكتب، وحل المسائل المعقدة بطرق خاصة، لكن في مقابل هذا التميز لم يكن يعيش حياة طبيعية صديقنا جون عاش صراعا مريرا ومشهورا مع مرض الانفصام الارتيابي (البارانويا) الذي جعله من قلة الأشخاص الذين يملكون سيرة ذاتية جميلة.
في أواخر الخمسينات من عام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين كان يقارب الثلاثين من عمره حين بدأت أعراض البارانويا تهجم على عقله بشكل مفاجئ:
ابتدأت بأوهام ارتيابية جعلته يعتقد أنه هناك مؤامرة شيوعية ضده، كان يعتقد أن الرجال الذين يرتدون ربطات عنق حمراء جواسيس يلاحقونه. وان صحف المجلات تحتوي على رسائل مشفرة موجهة له من الفضاء، وغيرها الكثير.
وايضا كان يعاني من هلاوس سمعية في عقله. كان يسمع هلاوس عقلية تأمره، وتجعله يشك بالناس.
انهارت حياته جعله المرض يستقيل من عمله، ويطلب اللجوء لدول بالخارج، وتخلى عن جنسيته الأمريكية، وكان دائم التنقل بين المستشفيات النفسية.
بالنسبة لي اعتقد ان ما قلته كاف ووضح لنا أن جنون الارتياب (البارانويا) هو مرض يصيب الدماغ يجعلك تشكك بكل شيء حولك.
لكن تذكر أن قصة جون ناش لم تتوقف هنا.
لنعرف البارانويا بشكل علمي هي حالة نفسية يعاني فيها الشخص من شكوك مفرطة، مستمرة، وغير مبررة تجاه نوايا الآخرين مثلما يعتقد انه هناك من يحاول إلحاق الأذى به أو يتآمر ضده.
ومن المؤكد أن لكل مرض أعراض وهذه هي أعراضه:
انعدام الثقة: صعوبة بالغة في الوثوق بالأصدقاء أو العائلة مع الشك المستمر في ولائهم واحيانا تعتبرهم كأعداء.
تفسير السلبي للأحداث: اعتبار التصرفات أو النظرات العفوية اتهام من الآخرين كأنك واقع تحت نظرية المؤامرة.
جنون الاضطهاد: الشعور الدائم بأنك الضحية وأن هناك من يتحدث عنك من وراء ظهرك أو يحاول تشويه سمعتك.
العزلة الاجتماعية: تجنب التعامل مع الناس لتجنب الخطر المتوهم.
لهذا المرض لا يوجد سبب واحد لظهوره وبدلا من ذلك يتفق العلماء والأطباء أن المرض ينتج عن مزيج مختلف من العوامل البيولوجية والنفسية والبيئية.
بالنسبة لي سوف اتطرق لأكثر الأمور ارى بأنها تملك التأثير الاكبر :
الوراثة والجينات :
التاريخ العائلي تلعب الوراثة دوراً في رفع احتمالية الإصابة. إذا كان هناك تاريخ لإصابة أحد الأقارب من الدرجة الأولى (مثل الأب، الأم، أو الإخوة) بأمراض ذهانية كالفصام أو اضطرابات الشخصية الارتيابية، فإن خطر تعرض الشخص للبارانويا يرتفع بشكل ملحوظ. (لكن الجينات وحدها لا تكفي لظهور المرض بل تحتاج لمحفز بيئي).
الصدمات والتجارب الحياتية القاسية (العامل البيئي)صدمات الطفولة:
التعرض للإساءة الجسدية أو العاطفية، الإهمال الشديد، أو التنمر المستمر في الصغر يجعل الشخص يطور آلية دفاعية نفسية مبنية على "عدم الثقة المطلقة بالبشر". مع الوقت والضغط، قد تتحول هذه الآلية إلى ارتياب مرضي.
الضغوطات المزمنة (Stress): الأحداث المفاجئة والكبيرة مثل فقدان الوظيفة، أو الطلاق، أو المرور بأزمة مالية خانقة، أو العيش في بيئة خطرة وغير آمنة يمكن أن تفجر المرض لدى الأشخاص المستعدين له جينياً.
العزلة الاجتماعية الشديدة غياب التواصل:
عندما ينعزل الشخص عن المجتمع تماماً، يفقد القدرة على "التحقق من أفكاره" عبر نقاشها مع الآخرين. يتيح هذا الانغلاق للأفكار السلبية والشكوك الصغيرة أن تنمو وتتضخم داخل عقله دون وجود أي رأي آخر يصححها، حتى تصبح أوهاماً ثابتة.
باختصار، البارانويا غالباً ما تظهر عندما تلتقي "جينات مهيأة للمرض" مع "ضغوطات نفسية شديدة أو صدمات غير معالجة"، مما يؤدي إلى اختلال في "كيمياء الدماغ"، وبالتالي يبدأ الشخص في الانفصال عن الواقع وتصديق الأوهام.
ختاماً
في ختام مقالنا العلمي أخبركم أن هذا المرض من الممكن حله، ولديه الكثير من طرق العلاج مثل التي استخدمها صديقنا العالم جون ناش نعم لم انسى امره هيا اخبركم كيف تعالج، و لنختم.
الأدوية القديمة (الستينيات): عولج بـ "الثورازين" (مضاد ذهان قديم)، لكنه كان يكرهه ويتوقف عنه سراً بسبب أعراضه الجانبية مثل الخمول والبلادة.
العلاجات الصادمة القاسية: خضع لـ "صدمات الأنسولين" داخل المستشفى الحكومي وهو علاج بدني كان يدخله في غيبوبة وتشنجات يومية بهدف تهدئة الأعراض، ولم تنجح طويلاً.
التعافي الذاتي (المعجزة): توقف عن الأدوية نهائياً بعد عام 1970، وقرر استخدام منطق عقلي صارم لتجاهل الأوهام والهلاوس السمعية. كان عندما يسمع الأصوات الارتيابية يقول لنفسه إنها فكرة فصامية ويرفض التفاعل معها أو تضييع وقته بها حتى استقرت حالته.
من طريقة علاج ناش نستنتج انه لم تكن الادوية هي ما حلت مشكلته، ولا العلاج بالصدمات، بل كان الأمل نعم يا صديقي ناش استخدم الأمل بجانب المنطق الذي سمح له يتفاءل بفكرته، وتعافى كليا.
ولكي تفهم كيف يعمل الأمل، وما هو دوره في حياة الإنسان لقد كتبت مقالين فيما سبق سوف اضعهم في نهاية الصفحة انصحكم بقرائتها.
الآن هذه هي النهاية شكرا لكم لوجودكم هنا. إنني أنتظر تعليقاتكم دمتم سالمين في أمان الله.
(على هامش الفكرة | رامي.)
—------------------
1. الشمعة التي لا تطفئ: اضغط هنا للدخول اليه
مقال تأملي يناقش معنى الأمل ودوره في استمرار الإنسان بعد الفشل، وكيف أصبح دافعًا خفيًا خلف الحضارة والنجاح والتطور البشري.
2. خذلان الذات: اضغط هنا للدخول اليه
خيبات الأمل الذاتية ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية وعي جديد. مقال يتحدث عن التسويف، الفشل، وكيف يحول الإنسان خيبته إلى قوة للنهوض.
