لم نعد أطفالًا.
اليوم
هو الثالث عشر من الشهر الخامس من سنة ألفين وستة وعشرين، والآن، بعد مرور تسعة
عشر عامًا وأربعة أشهر على ولادتي، وجدت جواب السؤال الذي كنت أتساءله منذ الرابعة
عشرة من عمري: ماذا سوف أفعل قبل بلوغي سن العشرين؟ وماذا يجب أن أفعل؟
بداية هذا المقال سوف يحتوي على بعض المعلومات التي استنتجتها بنفسي، وهي
معلومات عن بعض الأمور في حياتنا؛ من المحتمل أن تكون صحيحة، ومن المحتمل أن تكون
خاطئة، ومن الممكن أن تختلفوا معي في عدد كبير منها.
سن الرابعة عشرة
عندما
كنت في سن الرابعة عشرة، تعرّفت على رياضة الكالستثنكس. كانت هذه الرياضة مثل
السحر لعينيّ؛ فهي تعتمد على مقاومة الجاذبية في تدريباتها، وتتطلب للوصول إلى
مستوى معيّن القدرة على أداء بعض الحركات، مثل الوقوف على اليدين وأداء تمارين
الضغط. كانت رياضة رائعة، لقد أخذت عقلي إلى عالم آخر. أحببتها من أول نظرة، وملأت
فراغ أيامي بها.
حاولت
أن أبدأ، والتزمت لفترة من الوقت استمرت ثلاثة أشهر. في تلك الفترة، كنت قد بنيت
معتقدًا بسبب بعض المقاطع التي شاهدتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أنني يجب
أن أنجح في حياتي قبل أن أصل إلى سن الثامنة عشرة، وإن لم أحقق هذا الهدف ولم
أمتلك أول مليون دينار أردني، فسأصبح فاشلًا وعائقًا على أهلي وذاتي.
هذا
المعتقد أجبرني على تغيير نظرتي إلى الكثير من الأشياء، وخاصة رياضتي، فأصبحت أنظر
إليها على أنها سبيل للنجاح، لا مجرد هواية. وفي كل مرة لا ألاحظ فيها تقدّمًا،
كنت ألوم ذاتي وأحمّلها فوق طاقتها بأسوأ العبارات، حتى إنني بدأت أكره جسدي،
وأخبر نفسي بأنني إنسان فاشل لا يمكنه النجاح؛ لأنني كنت أريد أن أرى النتائج
بسرعة كبيرة، خلال شهر أو شهرين فقط.
وبسبب هذا، بدأت أتراجع وأتأخر، لكنني لم أتوقف.
كنت أنقطع يومًا أو يومين ثم أعود من جديد، وبقيت على هذا المنوال لمدة ثلاث
سنوات. وفي الحقيقة، لم تكن تلك السنوات هباءً منثورًا؛ فقد لاحظت مع طولها نتائج،
لكنها جاءت متأخرة جدًا لأنني كنت متسرعًا، وحتى تلك النتائج لم تكن مبهرة بشكل
ملحوظ.
سن الخامسة عشرة
مرّت
سنة كاملة وأنا أبني ذاتي على اعتقاد أن النجاح يجب أن يتحقق قبل سن الثامنة عشرة.
في تلك السنة، أردت أن أجعل عاداتي أفضل وأن أغيّر منها، فبدأت بالنوم مبكرًا
والاستيقاظ مبكرًا، وأردت أن أتعلم مهارة جديدة؛ لذا اتجهت إلى مجال الحواسيب،
وفعلاً كان ذلك شيئًا ناجحًا بالنسبة لي.
لقد تعمّقت بشدة، واكتسبت المهارات الكافية التي
جعلتني خبيرًا بها، وعلى دراية بحلول المشكلات المتعلقة بالجهاز نفسه. لكن ما كنت
أعاني منه حقًا هو التفكير المغلوط؛ إذ كنت أنظر إلى كل شيء أفعله على أنه لا
يستحق المديح، وكنت أقارن نفسي بغيري ممن يبلغون الثلاثين من العمر ويملكون خبرات
كبيرة، بدلًا من أن أقارن نفسي بمن هم في مثل مستواي أو عمري حتى تكون المقارنة
عادلة.
هذه
الأفكار التي كانت تدور كثيرًا في مخيلتي كانت ترهقني لدرجة أنني بدأت أرى أن
تكويني لأصدقاء في المدرسة يعني أنني تراجعت عن هدفي وفشلت وتوقفت. لذلك بدأت
أبتعد عنهم، وأصبحت أنظر إليهم على أنهم فاشلون وليسوا بمستواي، وأنني أعلى منهم.
كنت متكبرًا، ولم أكن أفهم حقًا ما الذي أفعله، لكن بسبب ما بدأته أصلًا في عمر
الرابعة عشرة، وصلت إلى وجهات لم أعتقد يومًا أنني سأصل إليها.
سن السادسة عشرة
مرّت سنة أخرى، وبدأت أستطيع أداء بعض الحركات في رياضتي، مثل الوقوف على
اليدين وـ Frog Stand وغيرها
من الحركات البسيطة بالنسبة لشخص لم يكن ملتزمًا بشكل كامل، وكان ينقطع عن التمرين
باستمرار.
لكنني
هنا وصلت إلى وحدتي. لم أكن أملك أصدقاء في المدرسة، وحتى عندما كنت أمشي مع
أحدهم، لم يكونوا يعاملونني كواحد منهم؛ كانوا ينظرون إليّ على أنني شخص مختلف. لم
يكن الأمر بسببهم، بل بسببي أنا، لأنني كنت أراهم متأخرين عني جدًا. كنت أرى نفسي
أفضل منهم، وأنني في الطريق الصحيح، وأن النجاح حليفي، وأنني سوف أتفوق على الجميع
حتى لو اضطررت إلى إنهاء صداقتي بهم.
وفي
تلك الفترة أيضًا، كنت أعاني من الرهاب الاجتماعي، لكنني كنت أرفض الاعتراف بذلك.
كنت أخبر نفسي أن الأمر مجرد وهم، وأنني هكذا لأنني أفضل من الجميع، وأنني لا
أستطيع التحدث مع أي غريب، أو حتى إن تحدثت معه أشعر بالتوتر؛ خوفًا من أن يقول
شيئًا يتفوق عليّ به.
كنت أوقف نفسي في كثير من الأحيان وأفكر أكثر، لكنني في كل مرة كنت أخرج
منتصرًا على ذاتي بإقناع نفسي بأنني لا أحتاج إلى أي علاقات، لا صداقة ولا غيرها.
سن السابعة عشرة
هنا حدثت لحظة التغيير.
في تلك الفترة، تخليت عن بعض اهتماماتي، وأضفت اهتمامات جديدة، وبدأ
يظهر تغيّر واضح في شخصيتي، مع بعض التقلّبات.
كنت أتردد كثيرًا إلى المسجد، خاصة في صلاتي
المغرب والعشاء. لطالما اهتممت بالدين الإسلامي، وأحببت التعرّف إليه، إلى أن رأيت
مقطع فيديو على الإنستغرام يقول بمعناه إن هذه الحياة فانية، وإننا مؤقتون نحن
وأفعالنا، وإن لم نعمل لآخرتنا فستنتهي حياتنا بمأساة.
استوقفني هذا الكلام كثيرًا، وجعلني أفكر: كيف
يمكنني أن أعمل لآخرتي؟
بدأت ألتزم بالصلاة، وأصبحت أتردد كثيرًا إلى
المسجد. كنت أستمع إلى خطب العصر من الشيخ، وأقرأ بعض الأحكام الدينية على متصفح
جوجل. تعمقت كثيرًا في الدين، لدرجة أنني تخليت عن معتقدي بأنني أفضل من الجميع،
وتخليت أيضًا عن خوفي من الكلام. كان لهذا الجانب من حياتي، والتزامي بالدين، دور
كبير في جعلي أرى الآخرين كما أرى نفسي، وأنقذني من الرهاب الاجتماعي. أحببت الأمر
كثيرًا.
لكن، في المقابل، كلما تعمقت أكثر أصبحت أكثر
تشددًا تجاه الدين الإسلامي، حتى إنني كنت أفهم بعض الأمور بشكل مغلوط. بدأت أرى
كل شخص يرتكب ذنبًا صغيرًا على أنه كافر، وكنت أتحدث معه محاولًا نصحه، لكن بطريقة
فيها إجبار وحدّة جعلت الآخرين يهربون مني.
لم تدم سعادتي طويلًا؛ إذ عاد الحزن والوحدة من
جديد، وبدأ الجميع يتجنبني في المدرسة بسبب هذا الأمر، حتى إن عائلتي لاحظت
التغيّر الغريب الذي طرأ عليّ. لم يتقدموا بالنصح، لكن الأمر لم يكن ذنبهم، بل
ذنبي أنا بسبب فهمي المغلوط.
لم يستمر هذا الحال كثيرًا، إذ حدث أمر قلب حياتي
رأسًا على عقب، لدرجة أنني أصبحت أؤخر بعض الصلوات، وأحيانًا لا أصلي بعضها. الأمر
كبير، لكنني لا أستطيع قوله.
العبرة من هذا القسم هي ألّا يتحول التديّن إلى
تشدد يفقد الإنسان توازنه وفهمه الصحيح.
سن الثامنة عشرة
هنا
كنت في مرحلة التوجيهي، في الشهر الثاني عشر من نهاية عام ألفين وأربعة وعشرين.
وصلت وحدتي إلى أوجها، ولم يتبقَّ شخص أتحدث معه، خاصة بعد أن انتهينا من الفصل
الأول والمحاضرات، وكما تعلمون فإن طالب التوجيهي غالبًا ما ينعزل من أجل دراسته.
شعرت بتأثير كبير على نفسي وذاتي، وبدأت أفكر: كيف يمكنني أن أصبح أنا
حقًا؟ وكيف أستطيع هذه المرة أن أسير في طريق أفضل، دون أن أحمل معي كامل أفكاري
القديمة؟
جلست لساعات وأيام أكتب كلامًا لذاتي عن أخطائي وأفعالي السابقة، وكيف وصلت
إلى هذا الحد، إلى أن توصلت إلى أن الحياة لا تستحق أن تُعطى أكبر من قيمتها، وأن
النجاح قادم لا محالة، لكنه قد يتأخر قليلًا عن التصور القديم الذي كنت أؤمن به.
أدركت أن الأساس الذي بنيت عليه أفكاري كان مقطع فيديو لا تتجاوز مدته
ثلاثين ثانية، وأنني كنت جاهلًا بكثير من الأمور حولي، ومع ذلك كنت أدّعي المعرفة.
تقبلت
هذه الأمور، وتقبلت ذاتي أيضًا، وبدأت أنظر إلى نهاية التوجيهي على أنها بداية
التغيير الحقيقي، أو لنقل: بداية حياتي مع دخولي إلى الجامعة.
سن التاسعة عشرة
قبل دخولي سن التاسعة عشرة، دخلت إلى الجامعة، وقررت أن أكون إنسانًا آخر.
كوّنت الصداقات، وفتحت قلبي للآخرين، استمعت وتحدثت وتشاركت، وبنيت شخصية اجتماعية
تنظر إلى غيرها على أنهم مثلها، بل وأفضل منها في بعض الأشياء، وتخلّيت عن غيرتي
ممن هم أكبر مني.
وفي
اليوم الثالث عشر من شهر يناير، أصبح عمري تسعة عشر عامًا. في تلك اللحظة، عند
منتصف الليل، قررت أن أجعل سنة ألفين وستة وعشرين سنة سعادة وإنجاز.
بدأت
أقرأ الكتب، وأكتب أكثر، وبدأت أفهم أن الأمور التي تسير بوتيرة هادئة وبسيطة هي
الأمور التي تستمر، أما الأشياء التي تأتي بسرعة، فغالبًا لا تتجاوز حتى خط
النهاية. بل أدركت أن الاستمرار أهم من الاندفاع.
في أيامي هذه، لم أعد أتدرّب على رياضتي فقط، بل أصبحت أدرّب عقلي أيضًا.
أحاول أن أجعل من نفسي إنسانًا مثقفًا بحق، وأعترف بجهلي بدل أن أدّعي المعرفة.
أكتب لأنني أريد أن أكون كاتبًا، لا لأن أصبح مليونيرًا. ولم أعد أتكبر أو أنظر
إلى الآخرين بتقليل.
لقد تحدثت كثيرًا عن ذاتي، لكنني وصلت إلى هدفي. كل ما حدث سابقًا كان مجرد
جزء صغير من حياتي، فقد كان هناك الكثير مما أثّر عليّ، لكن هدفي من هذا المقال
كان أن أخبركم أن ليس كل ما نراه حولنا حقيقيًا.
نحن نعيش في عصر التكنولوجيا، ونرى الكثير من صور النجاح، لكن في الحقيقة
أغلب الناجحين تجاوزت أعمارهم الثلاثين، وحتى إن كان أحدهم أصغر من ذلك، فنحن
غالبًا لا نرى سوى الجانب الإيجابي من حياته.
علينا أن ننظر إلى أنفسنا بدلًا من الانشغال بغيرنا، وأن نبحث داخل ذواتنا
وأفكارنا وأعماقنا، لعلنا نصل إلى جوهرنا الحقيقي، ونكتشف أننا قادرون على صنع
المستحيل، لكن بطرق واعية ومتزنة.
علينا ألّا نصدق كل شيء، وأن نبحث قبل أن نتحدث بأي معلومة، وأن نتدين
بطريقة صحيحة، كما علّمنا رسولنا الكريم ﷺ.
نحن
مقبلون على سن العشرين، أو ربما أنا فقط من يقف على أعتاب هذا العمر. إنه السن
الذي يبدأ فيه السعي الحقيقي، وتبدأ فيه محاولة الاستمرار بوعي أكبر.
لذلك،
أنصحكم أن تستغلوا أعوامكم الحالية بطريقة هادئة، واعية، ومريحة، حتى تكتشفوا
أنفسكم حقًا، وتجعلوا من عشريناتكم حقلًا أخضر يمر فيه نسيم جميل.
- رامي
- على هامش الفكرة
