في عام 1789، ظهرت حركة تطالب بحقوق المرأة، سُمّيت بالنسوية الحديثة.
استمرت حتى عام 1792، حيث ظهر الكتاب الذي أنشأ حدثًا فاصلًا ونقطة تبلور لهذه
الحركة، وهو كتاب ماري وولستونكرافت.
إلى ماذا دعت ماري في أول ظهور لها؟ وما أثر هذه الحركة على العالم العربي؟
أشار كتاب الآنسة ماري إلى ما هو أعمق من المساواة؛ فقد طالبت بأحقية تعليم المرأة، وأهليتها في المجتمع، وعدم النظر إليها كحلية زينة أو أداة لإرضاء الرجال. كما دعت ماري إلى تطور المرأة فكريًا واجتماعيًا، وجعلها أكثر فاعلية في هذا المجتمع عن طريق مشاركتها في المهن الطبية وغيرها، وأن التعليم هو أساس للزواج الصحي الفعّال الذي سوف يعينها على تربية الأطفال بعقلانية.
وانتقدت انشغال النساء بالتبرج والجمال؛ لأن ذلك يقيّدهن
داخل مجتمع لا يقدّر إلا المظاهر السطحية، ورأت ماري أن التعليم هو المدخل
للمساواة والتحرر في المجتمع، إذ إن انتشار المعرفة يعزز الوعي، ويدفع نحو
المطالبة ببقية الحقوق بصورة أكثر فاعلية.
خلال القرن التاسع عشر، ظهرت نقطة التحول في هذه الحركة، التي حوّلت
المطالبات الأخلاقية والتعليمية إلى مطالبات سياسية وقانونية؛ بسبب تزايد تعليم
النساء، ظهر وعي بينهن أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع بالسياسة، وأن بعض القوانين
التي تحرمهن من أحقية التملك والعمل، وحتى حماية أطفالهن، تُصاغ في برلمانات يسيطر
عليها الرجال. من هنا برزت فكرة مشاركة المرأة في حق التصويت، وأنه باب لفتح بقية
الحقوق.
استغلت النساء الكثير من الحركات، مثل حركات إلغاء العبودية، حيث تعلمن فن
الخطابة والتنظيم السياسي أثناء نضالهن لتحرير العبيد، ثم استخدمن هذه المهارات
لاحقًا في المطالبة بحقوقهن. وخلال الثورة الفرنسية وعصر التنوير، ظهرت شعارات
الحرية والمساواة، مما دفع النساء للتساؤل: لماذا لا تشملنا هذه المبادئ؟
وكانت بداية اتساع مسار مطالبة المرأة بحقوقها في مؤتمر سينيكا فولز في
نيويورك عام 1848، وهو أول مؤتمر منظم لحقوق المرأة في أمريكا، وكانت نتائجه وثيقة
"إعلان المشاعر" التي طالبت بالمساواة القانونية والحقوق المدنية،
والأهم أحقية التصويت، فكان هذا المؤتمر نقطة التحول الحقيقية من مجرد نقاش إلى
حركة سياسية منظمة.
تحدثنا في هذه الفقرة عن كتاب ماري، وكيف بدأ بمطالبات تعليمية إلى حين
تحوله إلى مطالبات سياسية.
أمّا بالنسبة للسؤال الثاني، وهو: ما أثر
النسوية على العالم العربي؟
ففي نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن
العشرين، بين عامي 1860 و1920، ظهرت النسوية في مصر خاصة وبلاد الشام، بسبب تأثر
هذه الدول بالغرب (بعثات، استعمار، ترجمة).
ابتدأت هذه الحركة بسبب انتقال أفكار "إعلان المشاعر" إلى الساحة
العربية، مما دفع عدة شخصيات، منهن قاسم أمين، وهدى شعراوي وغيرهن، إلى الدعوة
والتركيز بشكل أساسي على التعليم وإصلاح وضع المرأة داخل الأسرة، ولم يكن بالضرورة
وجود صدام سياسي مباشر. ومن ثم سُمّيت بالنسوية المتوارية؛ لأنها كانت بشكل غير
مباشر، بسبب الحدود الاجتماعية والدينية.
حيث
بدأت المرأة تناضل من أجل حقوقها قبل أن يتبلور المصطلح بشكل صريح، متأثرةً
بالاتجاهات العالمية للمساواة.
تطوّر الخطاب النسوي: تأثرت الحركة النسائية الأردنية والعربية بشكل عام
بتطور الخطاب الدولي حول النساء، خاصة بعد عام 1975 (عام المرأة الدولي)، حيث
انتقلت من التركيز على الحقوق الأساسية إلى المشاركة الشاملة في التنمية والمجتمع
المدني.
وبالفعل لم تذهب هذه المطالبات هباءً، وإنما لاقت نجاحًا وإقبالًا، مما أدى إلى تغيير قوانين أولية، مثل:
قوانين الأسرة العثمانية: في
أواخر العهد العثماني، صدر "قانون حقوق العائلة" عام 1915، الذي مثل
بداية لتنظيم مسائل الأحوال الشخصية (الطلاق والزواج) بشكل أكثر حداثة.
تحديد سن الزواج: بدأت المطالبات برفع سن الزواج
وتأخيره، والحد من قضايا "عضل الولي" (منع تزويج المرأة).
قوانين النفقة: في عام 1920، صدرت قوانين في مصر
تنظم النفقة والطلاق، وتعدّل من بعض حقوق المرأة داخل الأسرة.
وبالفعل لم يتوقف الأمر هنا؛ فقد تحسّن التعليم بشكل ملحوظ، وشاركت المرأة
في السياسة.
وكانت الفترة (1860–1920) فترة
"النسوية المتوارية" أو التأسيسية، حيث تحولت من مطالبات فكرية (تعليم)
إلى ممارسات اجتماعية (عمل)، ثم تحركات سياسية (مظاهرات)، مما مهّد الطريق
للتغيرات القانونية الأكبر التي حدثت في العشرينيات وما بعدها.
لقد وضع ديننا الإسلامي بصمته في حياة
المرأة قبل ظهور هذه الحركة التي سُمّيت بالنسوية بعقودٍ كثيرة؛ فقد أكرم الإسلام
المرأة، وجعلها عزيزة، وأعطاها أحقية الميراث والزواج والحياة، ومنع وأدها. لكن، يا
للأسف، فإن الجهل الذي انتشر في يومنا هذا جعل البعض ينظر إلى الإسلام على أنه سلب
حرية المرأة وحجزها، وكأنه ليس هو ذاته الذي أعطاها جناحين يومًا ما.
-
رامي
- على هامش الفكرة.
