أن تكون جاهلا بنفسك، تنظر إلى ذاتك على أنك نقطة سوداء في سماء زرقاء صافية، تحاول فهم ذاتك، لكنك لا تتمكن. هذه الأحداث تترك في جوفك سؤالا، وهو: ماذا يعني الاغتراب النفسي؟
تبدأ قصتنا بشعور عميق يخالج حسن، الذي يجلس على سريره في غرفته المليئة بالأغراض، والستائر المغلقة خلفها نافذة مفتوحة. بنسمة هواء تنبعث، تحرك الستارة قليلا فينعكس نورٌ على وجهه، يرفع رأسه متحركًا تجاهها حتى يغلق النافذة والستائر كي تعود الظلمة إلى الغرفة.
مشاعر حسن العميقة مضطربة، فهو يرى ذاته بعيدا عن من حوله لا يقوى على الانتماء لمجموعة أو بيئة معينة، ويظهر جليًا على علاقته مع أهله. يخرج حسن من غرفته لكي يأكل بعد إغلاقه الستارة متجها للمطبخ مارًا من جانب غرفة المعيشة التي يقف لحظة عند بابها ليلقي نظرة غريبة على أهله المجتمعين بسعادة، فتلمحه أمه، وبمجرد أن يخرج صوتها مناديًا به، كان قد تحرك، وهو يفكر بالانفصال الداخلي الذي يعيشه. يريد أن يعزل نفسه عن ذاته ومجتمعه بعيدا عن أي اختلاط، حتى لو كان مع أهله.
قصة حسن كَفَت، ووَفَت لتوضيح شعور الاغتراب النفسي بشكل مبسط وسطحيّ. أما الآن، يا صديقي، حتى نتعمق في موضوع مقالنا، يجب أن نفهم الاغتراب.
الاغتراب هنا لا يعني اغتراب المكان، بل هي فجوة مليئة بالوهم بين ما هو عليه الإنسان وما يراه المجتمع.
سببها هو أن الشخص يحاول جاهدًا بشغف وطموح حتى يواكب المجتمع، وأن يصبح جزءا منه. فيقدم على أكثر من شيء ليبدأ بالتطور فيقرأ بعض كتب التنمية البشرية التي تنصحه بالقيام بأفعال خارجة عن طبيعة شخصيته فتهلكه بإخباره بأن عليه أن يحترق مثل الشمس، حتى يصل إلى الكمال وهدفه الأسمى.
وأحيانا ذات الكتب تطلب منه أن يصبح شخصًا مخالفًا لهويته الحقيقية فبعد أن يشتعل احتراقًا من أجل الكمال الوهمي وملاحقة المجتمع، يكتشف أن عليه أن يتكيف أكثر من أن يصبح ذاته.
وعندما يزيد وعي المرء يدرك أنه ابتعد عن ذاته كثيرًا، فيلجأ إلى حل وهو الهروب إلى داخله، من أجل أن يبحث عن حقيقته، وعندما يكتشفها يرى أنه غير مناسب لهذا المجتمع، وعليه أن يبتعد وينفرد بذاته، ومهما حاول الانضمام إلى جماعات وأفراد يصعب عليه البقاء معهم.
تعريف الاغتراب لوحده أعمق مما كتبته، لكنني اتمنى حقا أنه كان مختصرًا مفيدا. أما الآن لندخل إلى أعمق نقطة في مقالنا، وهو واقع الاغتراب النفسي، فبعد أن يحترق الإنسان ويغترب عن مجتمعه، يبدأ بالاغتراب عن ذاته.
فيصبح ضائعا، حائرا بين ما يريد المجتمع أن يصبح عليه، وبين حقيقته فيقرر الهروب بدلًا من أن يجد حلًا، فيدخل في وضع خمول وانعدام للرغبة في المحاولة، فيرى ذاته فاشلًا بلا أي سبب للوجود كأنه منطفئ بسبب معايير وقيم لم يضعها هو بذاته، بل وضعها المجتمع (المعايير، والقيم) وقرر أن يلحق بها. أنا في كلامي هنا لم أضع اللوم بأكمله على المجتمع، بل للمرء لوم عليه؛ لأنه هو من قرر أن يربط قيمه ومعاييره بأمور مجتمعية مخالفة لشخصيته منذ البداية.
أنظر، يا عزيزي، لنوضح الفكرة أكثر، إن وحدة الإنسان بينه وبين ذاته سلاح ذو حدين، إن أحسن التعامل معها وجد حلًا لاغترابه، أما إذا لم يعرف كيف يوازن بين الهروب إلى داخله والواقع الذي يعيشه، فسوف يصبح ضائعا، ويزيد الحالة التي هو بها، وبما أنه بمعزل خاص عن الناس سيزداد وضعه سوءًا.
قلنا بأن الوحدة سلاحٌ ذو حدين، إذا اسأته اسائك، لكن ماذا لو استخدمتها بطريقة صحيحة؟
الجواب، يا عزيزي، يخبرك بأن الوحدة يمكنها أن تمنحك مساحة لتكون على طبيعتك تتقبل فيها ذاتك، وتتخلص من إرهاق اللحاق بالآخرين وتمثيل أدوار خارجة عن شخصيتك.
هنا يمكن أن تكون خلوة إيجابية واعية تتيح لك التخلي عن إرضاء الآخرين، وتضيف وقتا للاستماع بوضوح لصوتك الداخلي، وإعادة ترتيب أولوياتك، واكتشاف ذاتك الحقيقية بعيدا عن ضغوطات وتوقعات المحيطين بك.
يعد الاغتراب النفسي كالضياع وحيدًا في مدينة كبيرة مهجورة لكن الخلوة الإيجابية ليست هروبا بل هي محطة لإعادة ترتيب نفسك.
من الممكن أنك تتساءل الآن "أنا وحدي الآن، هل أنا أتعافى أم أهرب؟"
تمعن، يا عزيزي، سأتكلم معك بكل شفافية، أنت تملك القدرة على أن تقرر الحالة التي تريد أن تعيشها، فأنت من تقرر الهروب ومن تقرر التعافي.
وضعت هذه الفقرة للتنويه، ليس في كل الحالات أنت من تحدد التعافي أم لا، بل هناك حالات تحتاج إلى تدخل طبيب نفسي، مثلما أخبرك في أغلب مقالاتي لا تنحرج من طلب المساعدة، وأن تعترف بأنك تعاني من أمر نفسي معين. خطوة الذهاب للطبيب جيدة جدًا، ولا تتأخر في اختيارها ثم تنفيذها إن طال اغترابك النفسي ورأيته صعب الحلّ عميقًا.
أما الآن لنعود إلى الإجابة، إذا كنت وحيدًا، جالسا تلوم ذاتك، تنقص من قيمتك، ولا تحاول أن تتعرف على حقيقتك، وما زلت تتمنى تغيير الحالة التي أنت فيها، فأنا أخبرك متأسفا، بأنك هاربٌ من الحقيقة. أما إن كنت تسأل نفسك كيف يمكنني أن أعود إلى ذاتي؟ وتبحث عن أجوبة، فأنت تتعافى.
التعافي في الاغتراب النفسي هو خطوة أولى تتخذها، تبدأ بالبحث عن أجوبة لأسئلتك، مع العمل، لا أن تسأل وتقف مكانك ساكنًا.
اكتشافك لذاتك ليس نهاية للطريق، بل هو بدايته، فبعد أن يتعرف الإنسان على حقيقته تبدأ مراحل التعافي التالية، كقبول ذاته، وبناء علاقة صحية مع المجتمع، والعيش رغم الاختلاف دون أن تفقد نفسك، ولأن هذه خطوات تحتاج لتفصيل فسوف يكون لها مقال منفصل.
أما الآن، فهذه هي الخاتمة شكرا لوصولك إلى هنا يا عزيزي القارء، إنني ممنون لك حقًا.
برأيك هل الاغتراب النفسي يواجه كل من يريد أن يواكب المجتمع؟
(رامي / على هامش الفكرة)
