الإنسان ليس معاقبًا على أفكاره، فهو حرٌّ رغم القيود الخارجية. لهذا يتساءل كثيرًا، وخاصة في فترة المراهقة، مثل سؤال: هل لحياتي معنى؟
هذا ليس سؤالًا عاديًا، بل هو ناتج عن شيء يمر به معظم الناس، سواء من يملكون جانبًا دينيًا قويًا أو تربية جيدة، وهي أزمة الوجود؛ حالة من الصراع الداخلي والقلق العميق، حيث يتساءل الفرد بصدق عمّا إذا كانت لحياته معنى أو هدف أو قيمة.
وتظهر أسئلته بشكل مقلق، مثل: لماذا أنا هنا؟ أو هل الوجود مجرد روتين مستمر انتظارًا للموت؟
هذه الازمة تملك محاور في علم النفس والفلسفة، وعددها أربعة هي
الموت، وهو إدراك حتمية الفناء، وصراع الرغبة في البقاء مع هذا الزوال.
الحرية والمسؤولية تعني القلق الناتج عن تحمّل الإنسان مسؤولية اختياراته وما ينتج عنها.
العزلة هو الشعور بأن الإنسان يولد ويموت وحيدًا في أعماقه، بغض النظر عن علاقاته.
انعدام المعنى وهي الصعوبة في إيجاد غاية أو هدف محدد يملأ حياة الإنسان.
تظهر هذه المحاور الأربعة عند مرور الإنسان بتغيرات مفاجئة وكبيرة في حياته، مثل فقدان وظيفة، أو تغيير مكان السكن، أو التقدم في العمر، مما يدفع الفرد إلى إعادة تقييم جميع معتقداته وطريقة عيشه.
لن نكتفي فقط بالمحاور وبعض الكلام المباشر، بل لنتعمق أكثر؛ فأزمة الوجود تصنع الكثير من المفارقات داخل أفكار الإنسان، فتظهر أسئلة مثل: هل أنا أبحث عن سبب لوجودي أم أريد أن أطمئن نفسي؟ وهل الإنسان يرفض الحياة فعلًا، أم يرفض فكرة أنه اضطر إلى عيشها؟
لندخل إلى السؤال الأول، ولنجب عنه بشكل مباشر تقريبًا: إن الإنسان الذي يبحث عن سبب ليطمئنه، يشبه الذي يبحث عن مسكن لتخفيف ألم ضرسه، فهو يختفي مؤقتًا. وهذا الأمر ينطبق تمامًا على طمأنة الذات؛ فالإنسان دائمًا ما يبحث في شخصيته ويتعمق بهدف معرفة لماذا خُلق، وما سبب وجوده. وفي بحثه هذا يكتشف أنه ضائع، فيبدأ بتجربة الكثير من الأمور، منها الخاطئ الذي سوف يتعبه، ومنها الصحيح الذي سوف يساعده على معرفة من هو، لكن في كلتا الحالتين سوف يصل إلى جواب، سواء أكان سريعًا أم متأخرًا قليلًا.
إجابتنا عن السؤال الأول هي ما أوصلتنا إلى السؤال الثاني، والذي يكون جوابه باختصار: لا يشترط أن يكون الإنسان فعلًا كارهًا للحياة، بل هو ببساطة مرهق من بعض الأمور، سواء ظروف أو توقعات خابت. أحب أن أترك باقي هذا السؤال لكم، إنني أنتظر إجابتكم.
أزمة الوجود ليست شيئًا سيئًا، بل أمر يدخل في حياة الجميع، ومن المؤكد أن لكل بداية نهاية، ويمكننا تجاوزها عبر تقبّل المشاعر، وخلق قيم وأهداف ملموسة، وتعزيز العلاقات، وممارسة اليقظة الذهنية، والروتين اليومي الداعم. ولن أكتفي بذكرها فقط، لنمر عليها واحدة تلو الأخرى.
تقبّل المشاعر وعدم الهروب يعني أنه يجب أن ندرك أن التساؤل عن الغاية أمر طبيعي، وأن اليأس أو القلق هما نقطة انطلاق لكثير من التغيرات أو بناء نجاحات بإذن الله.
كذلك البحث عن المعنى الشخصي هو أن نفهم أنه بحث عن هدف يمكننا أن نستفيد منه أو نجعله طريقًا لنا، مثل تجربة ما نحب أو موقف من المعاناة ذاتها، وربط الأفعال بالقيم، وتحديد ما نهتم له فعلًا مثل العائلة، والتعلّم، والإبداع، وترتيب الأولويات، وصنع الالتزامات.
تعزيز العلاقات هو إعادة التواصل مع الغير، وتجنّب الوحدة المستمرة، والانخراط في مجموعات تجعلك تشارك فعلًا. اهتم بذاتك، مارس الرياضة، تجنب العزلة القاسية، ولتتجاوز الأوقات المحبطة.
في بعض الأحيان تتحول الأزمة وتصبح اكتئابًا عميقًا، في هذه الحالة أنصحك بشدة أن تذهب إلى مختص نفسي، وهذا ليس شيئًا سيئًا أو يدعو إلى الإحراج، بل هو فعلًا صائب وواعٍ، لأنه سوف يخدم ذاتك.
كان مقالًا طويلًا بعض الشيء، إذ إن ما ذكرته كان مختصرًا أو غير كامل عن شيء يدخل في حياة الملايين من الناس دائمًا، اسمه صغير لكن له عمق كبير. تكلمنا عن ظهوره وأسبابه، وأنه لا يفرق بين متدين، أو غير متدين، أو متربٍ، أو غير متربٍ، وما الأسباب التي تجعله يدخل إلى حياتنا، وكيف نتخطاه. وأحب، وقبل ذهابي، أوجه كلمة شكر للإنسانة التي ساعدتني في هذا المقال، كان لها دور كبير حقًا، اسمها راما، زميلة لي في التخصص، شكرًا لكِ راما.
قبل أن أختم أترككم مع سؤال: ما هي أزمة الوجود من وجهة نظرك، بعيدًا عن المقال؟
- رامي
- على هامش الفكرة
