JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->

أعلن هنا

اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ وَاحْفَظْهُمْ بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ.

الصفحة الرئيسية

فخ الشاشة




كم مرة ضَبَطْتَ نفسك فيها وأنت تُخْرِجُ هاتفك من جيبك بمجرد انتهاء المحاضرة، ودون أي سبب حقيقي؟ كم ساعة تمر من يومك وأنت تتنقل بين المقاطع القصيرة، متناسياً كميات الدراسة المتراكمة عليك؟ ولماذا نجد أنفسنا، رغم وعينا الكامل بضرر هذا السلوك، عاجزين عن تركه؟ والأهم من ذلك كله: كيف نبني قوة داخلية تبدأ من أصغر تفاصيل يومنا لنسترد حياتنا؟


هذه التساؤلات لم تكن مجرد أفكار عابرة، بل كانت المُحَرِّك الأساسي لبحث ميداني قمت به بنفسي مع زملائي في جامعة العلوم والتكنولوجيا، متنقلاً بين التخصصات الهندسية والطبية، مستهدفاً البحث عن الحقيقة الكامنة خلف تلك الشاشات المضيئة التي تلتهم أعمارنا. وجاءت إجابات زملائي لتعكس واقعاً مألوفاً؛ يبدأ من الحركة الآلية لفتح الهاتف، ويمر بفخ الهروب، وينتهي بالرغبة الجماعية في التغيير.


الحركة الآلية التي بدأتُ بها الأسئلة هي أول خيط في اللعبة؛ إذ تبين أننا لا نفتح الهواتف لأننا بحاجة إليها، بل لأننا نركض خائفين من حجم المسؤوليات الأكاديمية. وخلال قراءتي للردود، اسْتَوْقَفَتْنِي عبارة كتبها أحد زملائنا في كلية الهندسة الميكانيكية تلخص هذا العجز بدقة، حيث قال: "أهرب من الضغط إلى الشاشة لأجد نفسي أُؤَجِّلُ أهم مهمة في يومي". هذا الاعتراف يفسر لماذا نمضي الساعات دون وعي؛ إنها حلقة مُفْرَغَةٌ تبدأ ببحث عن راحة مؤقتة من ضغط الدراسة، وتَنْتَهِي بتأجيل المهام، مما يُوَلِّدُ ضغطاً نفسياً أكبر وشعوراً خانقاً بالذنب.


هذا الهروب المخادع يستنزف أثمن أوقاتنا، حيث أجمعت الآراء على أن الساعات الضائعة تلتهم بدقة أخطر فترتين في اليوم: الدقائق التي تسبق النوم مباشرة، واللحظات التي تلي الِاسْتِيقَاظَ. هذه الأوقات التي من المفترض أن تصنع جودة يومنا وصحتنا النفسية، نقايضها بجرعات متتابعة من التصفح العشوائي الذي يسرق طاقة الغد. والمفارقة المدهشة أن الوعي بالبديل الصحي موجود؛ إذ أشار الكثيرون إلى أنهم يمتلكون غريزياً وسائل حقيقية لِتَفْرِيغِ الضغط النفسي كالصلاة، والمشي في الهواء الطلق، وترتيب المكان، أو اللجوء لحضن العائلة. نحن نعلم أين تكمن راحتنا الحقيقية، لكننا نَسْتَسْهِلُ الملجأ الرقمي.


وهنا نصل إلى إجابة السؤال الجوهري: كيف نخرج من هذا العجز ونبني الانضباط الذاتي؟ الجميل في تلك الأوراق أن الطلاب وافقوا دون استثناء على أن "الانضباط هو الحل الأنسب لحياتنا". لكن الانضباط ليس قراراً فُجَائِيّاً نعلنه لِنَلْتَزِمَ بعشر ساعات من الدراسة الصارمة، بل هو عضلة تُبْنَى بالتدريب وتبدأ من أصغر تفاصيل اليوم؛ يبدأ الانضباط من ترتيب سريرك فور الاستيقاظ، ومن إغلاق هاتفك ووضعه داخل حقيبتك طوال وقت المحاضرة، ومن أداء الصلاة في وقتها، ومن اختيار المشي لعشر دقائق عند التعب بدلاً من لمس الشاشة. هذه الانتصارات الصغيرة ترسل إشارات واضحة لعقلك: "أنك بدأت تعيش يومك فعلياً، لا أن تتصفحه فحسب!".


وحتى يتحول هذا الانضباط إلى واقع، فإن السر يكمن في إعادة هندسة المحيط من حولك. العقل البشري كسول بطبعه ويختار دائماً المسار الأسهل؛ فإذا كان هاتفك بجانبك أثناء إنجاز المهام، ستفتحه تلقائياً عند أول شعور بالتعب. الحل ليس في مقاومة الرغبة، بل في قطع الطريق عليها: ضع هاتفك في غرفة أخرى، وعندما تشعر بالإرهاق، غيّر مكانك أو تحرك لدقائق بدلاً من فتح الشاشة. تذكّر دائماً: الانضباط يبدأ بمنع المشتتات قبل أن تبدأ هي بالسيطرة عليك.


في النهاية، هذه السنوات الجامعية لن تتكرر، وهي المحطة التي تقرر من ستكون غداً. الاستسلام للشاشة ليس إلا هروباً مؤقتاً يلتهم رصيد طموحك دون أن تشعر. في المرة القادمة التي تمتد فيها يدك نحو الهاتف بلا وعي، تذكر أن لحظات عمرك وشبابك تمضي مسرعة ولن تعود أبداً؛ فالأَوْلى أن تصونها، وتعيش أبسط تفاصيلها بكل حضور ووعي... فمستقبلك يستحق أن تصنعه بنفسك، لا أن تتصفحه خلف الزجاج!

(محمد ابو غزلة/على هامش الفكرة)

author-img

Rami Alrefai

رامي باسم الرفاعي مدون و طالب في تكنولوجيا الأشعة . أكتب لأنني أؤمن أن الكتابة ليست مهنة، بل طريقة لفهم النفس والعالم. هذه المدونة محاولة لترتيب الأفكار التي تعيش على الهامش.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة